كرنفال الحبر الدموي أو رواية الموت الدامي
اعتقدنا ان السلام قد حل ولكن ها كل شيء ينهار
* تعريب : يسرى فراوس
مثلما تُخلّف الحرب ركاما من الجثث المحروقة وأكداسا من حجارة المباني المقصوفة وبركا من دموع الثكالى والأيتام، فهي أيضا وبالمقابل، تفتح أكثر من رواق ومنفذ لتدوين أشكال كتابية مختلفة تبدأ من تصريحات السياسيين وتنتهي الى رسوم الكاريكاتوريين وبينهما تشكل تفاصيل الحرب عمودا فقريا للكتابات النثرية، قصة ورواية ومقالة… وللتدوين الشعري…
و»الحالة اللبنانية» بما عاشته في الماضي وما تعيشه راهنا، باتت تمثل «مرجعا» يستقي منه الكتاب والشعراء والموسيقيون والرسامون مداخل تعبيرية تعكس معاناتهم اليومية وتستشرف افقا آخر أقل قتامة وأقل سوداويّة…
ثلاثة أجيال أدبية، بين جيل وجيل حرب، بين جيل وجيل يفيض الحبر مدرارا ليقول: نعم «الارض زرقاء كبرتقالة» حالة الكتابة عندهم ليست حالة ترف، إنها ملحّة كالموت من اجل لبنان هاهم يعلنون الكوجيتو اللبناني:
«نحن نكتب، إذا نحن نقاوم»
والتباس الاعمال الفنية بالواقع التدميري الذي تعيشه الأرض اللبنانية صار يمثّل كرنفالا احتفاليا تتعالق فيه مشاعر الألم بأحاسيس الأمل رغم حالة الصدمة والاندهاش المربك…
ضمن هذا الملف الذي قدّمته مجلة magazine littéraire في عددها الأخير الموافق لشهر سبتمبر 2006 نقف على مختلف أشكال تقبل حدث العدوان على لبنان من قبل الكتاب والادباء اللبنانيين ذاتهم….
* اسكندر النجار… وكأنّ التاريخ يعيد نفسه
كيف تفاعل الكتاب والادباء مع لعنة الحرب التي حلّت بديارهم وفي بلدهم؟ بين الالتزام بالنضال والرغبة في التموقع خارج التحالفات السياسية كل يحاول التموقع وإعلاء صوته «الصدمة هذا هو الاحساس الذي اعترى اغلبنا. لقد صدمنا حين عادت الحرب الى ارضنا مجددا. ظننا ان السلام قد عمّ وأنه لا رجعة فيه لكن هاهو كل شيء ينهار» بهدوء ظل اسكندر النجار يشرح تلقيه حدث «الحرب» في بلاده وذلك بعد ثلاث اسابيع من العدوان.
واسكندر النجار هو احد اكثر الكتاب تأثيرا في جيله كتب رواية قصيرة تحمل عنوان «مدرسة الحرب» «L’Ecole de la geurre» تطرق فيها الى الحرب الاهلية في لبنان بين 1975 و1990 من خلال عيني طفل بيروتي. الان وهو الشاهد على هذا العدوان الجديد هاهو يقول: «كنت في الثامنة من عمري عندما اندلعت الحرب سنة 1975. اليوم ابني قد بلغ الربيع الثامن ليشهد هذه الحرب الجديدةوها اني اردّد ذات عبارات التهدئة التي تلقيتها من فم أبي ايامها وكأن التاريخ يعيد نفسه».
لقد صرّح اسكندر النجار بسرعة عن موقفه من الحرب وذلك عن طريق الصحافة العربية والعالمية. كما نشر مقالا بصحيفة Le monde تحت عنوان «مشهد من لبنان» كرد على مقال بارنار هانري لفي Bernard Henri levy الذي حمل عنوان «الحرب والمشهد الاسرائيلي».
وفي ردّه هذا، عارض اسكندر النجار فكرة ان «لبنان قد سمح لميليشيا حربية (حزب الله) ببناء دولة داخل الدولة» بالنسبة لاسكندر النجار حزب الله قد نما في ظل الاحتلال السوري وبدعم من إيران.
«قليلون هم الادباء الذين يعرفون كيف يتحركون من اجل قضية ومثلما يقول جون بول سارتر: على الاديب ان يكون ملتزما «ويتخذ موضعه المناسب في مرحلته».
* أنطوان بولاد: بين أديب ومواطن
في لبنان يتبوأ رجال الادب مكانة مهمة على أعمدة الجرائد. إنهم يكتسبون اهمية تفوق تلك التي يُحْظى بها رجال الادب في فرنسا. هنا لا يندر ان نقرأ افتتاحية ممضاة من قبل كاتب او شاعر. بعض هؤلاء الكتاب يضطلعون برئاسة تحرير عدة صحف او ملاحق ثقافية كذلك هو الشأن بالنسبة لالياس خوري في جريدة النهار (الصحيفة الاكثر مقروئية في لبنان) أو عباس بيضون او اسكندر حبش في السفير .
«لا يمكن ان يمرّ يوم واحد دون ان يعرض احد الكتاب او المفكرين موقفه على أعمدة الصحف».
هكذا يبيّن فارس ساسين (المستشار الادبي لمنشورات دار النهار) كيف يمكن ان يثري قلم الكاتب المشهد الفكري ويعزز الحوار في زمن اللاّحوار.
أثناء الحرب الاهلية لم تتوقف الصحف عن الصدور والكتاب يعبرون عن آرائهم بشكل مستمر ويومي الان يحدث نفس الشيء».
يدافع إلياس خوري في الملحق الثقافي للنهار عن فكرة ان الكاتب مثل كل شخص هو مواطن «حين يهاجم موطنك، عندما تقع إبادة شعبك كل الوسائل تصبح مشروعة للمقاومة. كصحفي اقدم شهادتي على اعمدة الصحف، كمواطن احاول تقديم العون في مخيمات ومراكز اللاجئين، ولكن كأديب لا حول لي ولا قوة. بالنسبة لي ليس هذا الظرف المناسب لكتابة الروايات».
* ايمان حميدان يونس: عندما ينحرف الخطاب!!!
بالنسبة لايمان حميدان يونس لا مجال الآن للكتابة في زمن الحرب. الكلمات الوحيدة الممكنة هي «لنوقف العنف» تتنهد ثم تضيف «لست في وضع يسمح بكتابة شيء آخر… منذ الايام الاولى للعدوان عرائض كثيرة ونداءات كتاب ومفكرين تظهر على الانترنيت… كل يدافع عن وجهة نظره، المنتصرون للبنان والهوية اللبنانية، المنتصرون للهوية العربية، المنتصرون لحزب الله، المنتصرون لعون إلخ… ولكني ارفض أن امضى أيا من هذه العرائض.
عندما تكون سماؤنا أرضنا، بحرنا عرضة للاغتصاب لا يمكن ان نفرض شيئا آخر غير السلام».
كتبت إيمان حميدان وأمضت عديد المقالات في صحف المانية وسويسرية آملة التحذير من اخطار الخطابة «الامريكيون يتحدثون عن الديمقراطية والسلم لكنهم لا يمنعون مجازر ترتكب في حق الاطفال… حزب الله يتحدث عن الكرامة والنخوة لكنه لا يفعل شيئا لحماية الاطفال… ينحرف الخطاب فلا وجود لا للديمقراطية ولا للسلم ولا للكرامة ولا للشرف عندما يموت الاطفال مثل العصافير والفئران».
* شريف مجدلاني: التاريخ ومفهمة الهوية اللبنانية
على صفحات Libération استطاع شريف مجدلاني ان يبلغ صوته وفي مقاله المعنون «الهوية اللبنانية المتنازع حولها» يذكّر مجدلاني بالظروف الحافة تاريخيا باختطاف الجنود الاسرائيليين وبالحرب التي أعلنتها اسرائيل على لبنان في منتصف شهر جويلية..
يُبَيّن مجدلاني انه «تاريخيا، ومنذ نشأته واجه لبنان دائما مفاهيما مختلفة لهويته: الهوية اللبنانية التي ترى ان الامة اللبنانية تعيش حاضرها ومستقبلها بمعزل عن محيطها العربي والمنتصرون للهوية اللبنانية بهذا المعنى قد حاكوا دائما علاقات مخصوصة مع الغرب. الهوية العربية التي تطالب بمصير موحد مع كل الامة العربية». «لقد اعتقدنا سنة 2005 أن اللبنانيين بكل طوائفهم المجتمعة قد اتفقوا على رؤية موحدة للبنان ولكن دون التعويل على حزب الله الذي يعيد استثمار مقولات القومية العربية مع توظيف للفكر الإسلاموي. هكذا بعث من جديد التصور القديم للبنان بعد ان ظننا اننا قمنا بتخطيه وعادت للبنان صورته القديمة… لبنان ميدان الصراع المقدس ضد الغرب واسرائيل» .
يروي شريف مجدلاني حالة الانفعال التي عاشها حين ادرك أن بلاده تتعرض من جديد للعدوان: «انه شعور بالعجز في الايام الاولى شعرت بحالة من الشلل فلم يكن باستطاعتي فعل اي شيء ثم فكرت ان التوقف عن الكتابة هو انخراط ما في لعبه الحرب. اذا الان انكب على كتابة رواياتي لانه بالنسبة لي افضل موقف يمكن ان اتخذه هو البناء في غمرة الجنون الهدّام».
* فارس ساسين: المقاومة الى جانب الشرق الأدبي
صدر في اليوم الثالث والعشرين من العدوان عدد جديد وهو العدد الثاني من «الشرق الادبي «L’orient littèraire الملحق الشهري التابع للجريدة اليومية الفرنكفونية «الشرق اليوم» L’orient le jour، والتي تأسست سنة1929 كان يديرها ولزمن طويل الشاعراللبناني جورج شحادة ثم صاررئيس تحريرها صالح ستيتييه).
توقف هذا الملحق الثقافي عن الصدور سنة 1960، في الربيع الفارط وبمبادرة من عدد من الكتاب كإسكندر النجار وشريف مجدلاني ورامي زين وانطوان بولاد.. بعث الملحق من جديد ولكن في نهاية شهر جويلية طرحت من جديد مسألة التوقف عن إصدار L’orient littéraire
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |